"صُنَّاعُ المَجْدِ.. وَمَعَالِمُ الأَثَر.. فِي سِيرةِ مَنْ أَفَلَتْ بِمَوْتِهِ شَمْسُ العَصْر"


الشيخ محمد علي صغير نهشل الخميسي -رحمه الله-.

إعداد وتقديم: الاستاذ /حسن عبدالله علي الخميسي

أبو صهيب




                                       


                                                    1

                                            

        الإهداء

إلى الروح الطاهرة.. التي تركت فينا أثراً لا يمحوه الزمن، إلى روح الفقيد الغالي الشيخ محمد علي صغير نهشل -رحمة الله تغشاه - الذي كان غيثاً أينما وقع نفع.

إلى الأجيال الصاعدة.. نضع بين أيديكم هذه المسيرة لتكون "دستوراً أخلاقياً" ومنهجاً تربوياً يتأسى به كل طامح نحو العلى، فالعظمة ليست لقباً يورث، بل واجب يصان وأثر يبقى.

                                  


                   

                                                       2                     

                                              المقدمة :

الحمدُ لله نحمده ولا نجحده، ونشكره ولا نكفره، ونستعين به ونستنصره، ونستهديه ونستغفره، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمةً للعالمين محمد ﷺ وعلى آله، ورضوان الله على أصحابه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:

فإنَّ تدوين سِيَرِ الرجال الأوفياء والمجددين الأنقياء هو نوعٌ من أداء الحقوق واستنهاض الهمم، ومن هؤلاء الأعلام يبرز اسم القائد المربي والشيخ الذكي محمد علي صغير نهشل الخميسي (رحمه الله)، الذي كان مدرسةً في الحكمة، ومحراباً للمروءة، ومنارةً تربوية واجتماعية وسياسية فذة، أثرت منطقة "شرق الخميسين" وخيران، بل ومحافظة حجة بفيضٍ من العطاء والفضل والمواقف المشرفة، فكان بحقٍ صمام أمانٍ لمجتمعه، وقدوةً يُحتذى بها في النزاهة والإصلاح والتضحية والتواضع والشجاعة والذكاء والعطاء والصبر.

أولاً: أهمية البحث

تكمن أهمية هذا البحث في كونه المحاولة الأولى والمبادرة السبّاقة لتوثيق مسيرة شخصية اجتماعية نافذة وقيادية فذة، والوقوف على مآثرها التي جمعت بين رصانة القضاء، وحكمة المشيخة، ونبل التربية، وعلو الهمة، وكرم العطاء، ونباهة القائد، وصدق التضحية. 

وتأتي هذه الدراسة في وقتٍ حرج لاستدراك ما فات، وفي ظروف استثنائية خوفاً من طمسها فيما هو آت؛ حيث يُعد هذا الجهد توثيقاً بكراً لم يسبق إليه أحد، يهدف إلى استحضار نموذج "القائد الإنسان" الذي أفنى حياته في الإصلاح، وفي خدمة العلم والعلماء، وتربية النشء، وحقن الدماء، ورعاية جيل المستقبل في ظروفٍ استثنائية، 

                             


                                            3

وبفكرٍ قد سبقه إليه عقله.

 امتثالاً منه - رحمه الله - لقوله تعالى: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}.

ثانياً: أهداف البحث

يسعى هذا البحث إلى رسم صورةٍ وافية وشاملة لهذا العلم الراحل -حسب المتاح ووفق الإمكانات- من خلال:

-دراسة نشأته وجذوره الأسرية العريقة وتأثيرها في تكوين شخصيته.

-الوقوف على إنجازاته الإدارية والسيادية، ودوره الرائد في تأسيس صروح العلم وصناعة القادة.

-تسليط الضوء على جوانب القوة والشهامة في مواقفه الإنسانية والقبلية، وجمع الشمل، وبناء الجيل، وصناعة الولاء بالحب، ورصد الأثر الباقي الذي تركه في وجدان الناس.

-تخليد ذكرى هذه الشخصية التي يُكتب تاريخها لأول مرة؛ انطلاقاً من المسؤولية التاريخية وحرصاً على حماية سيرتها العطرة من الضياع.

-استخلاص العبر والدروس لتكون منهجاً تربوياً ودستوراً أخلاقياً تقتدي به الأجيال الصاعدة.

ثالثاً: مصادر البحث

اعتمدتُ في كتابة هذا البحث على "الذاكرة الحية" بصفتي أحد المعاصرين والمرافقين له في كثير من المواقف والمحطات، كما اعتمدتُ على الشهادات الموثقة ممن عاصروا الشيخ ورافقوا دربه، إضافةً إلى السجلات والوثائق التاريخية لمسيرته الوظيفية والتربوية، واستقصاء الوقائع التي سُجلت في ذاكرة المنطقة، لتكون مادة البحث مرجعاً صادقاً يتسم بالدقة والواقعية.

                                                    4

رابعاً: منهجية البحث

اتبعتُ في دراسة سيرة الشيخ محمد علي صغير نهشل طيب الله ثراه المنهج "الوصفي التحليلي التاريخي"؛ حيث تناولتُ حياته من المولد والنشأة، مروراً برحلته العلمية والعملية ومناصبه السيادية، وصولاً إلى مواقفه البطولية وفاجعة رحيله، واخيرا نتائج البحث والتوصيات، وقد حرصت على رسم صورةٍ وفية لهذا الرمز الكبير، مختصراً التفاصيل دون إخلالٍ بالمضمون.

ويعتبر هذا البحث اجتهاداً شخصياً، أعلم يقيناً أنني لن أفي الرجل حقه مهما كتبتُ أو وصفت، فمواقف العظماء بحرٌ لا يُحاط بقعره.

وهو بمثابة مسودة أولى قابلة للتعديل والإضافة والحذف؛ فإن أصبتُ فمن الله وحده، وإن أخطأتُ فمن نفسي والشيطان، وأعتذر مقدماً عن أي تقصير أو نقص قد يرد في ثنايا هذا الجهد، سائلاً المولى -عز وجل- أن يجزينا على صوابنا ويغفر لنا تقصيرنا.

وختاما ، لا بد لي أن أقول: إنَّ هناك دُيوناً لا تَعتَرِف بها الدّفاتِر، ولا تُطفِئُها النقود... إنها دُيونُ المواقِف... تُسَجَّل في الذّاكِرَة لا في الحِسابات، وتُحفَر في القلب بعُمقٍ لا يَمحوه الزمن، فإمّا تُسَدّد بالوفاء… أو تبقى شاهِداً لا يُنسى.

إنَّ ما كَتَبتُهُ هنا لم أكتبه كما هو في حقيقته تماماً؛ فما أشعُرُ بهِ يَفوقُ كلَّ الكلمات، يَضيقُ عنهُ الحَرفُ ويَتعَبُ المعنى، وتَعجَزُ اللغةُ أن تَحمِلَ هذا الثِّقلَ كلَّه.. إنه شُعورٌ يُعاشُ ولا يُقال او يقاس، يَسكُنُ الصدرَ كَوجَعٍ صامِت، لو نَطقَ لاحترَقَتْ بهِ الصفحات، ولو صَمتَ ظلَّ القلبُ يَفيضُ بهِ دونَ صوت. 

كل ما كتَبناه ،ليس إلا نقطة من بحر متلاطم غزير نعجز للوصول الى قعره، وهو غيض من فيض ،وكل ماكتب عنه هنا ماهو الا عبارة عن خربشات محب وتعبير وتدوين  عما نشعُر به نحو هذا القائد الضرغام والشيخ الهمام، وهو بمثابة مُقدّمة لأشياء نعجز عن كتابة تفاصيلها في وقت قصير و خلال شهر رمضان المبارك 1447م الموافق 2026م.

                                                     

                                5

الباب الأول: نشأته:

(بذور التكوين النشأة، الأسرة، والتعليم)

الفصل الأول:

1- مولده:

في كنفِ أسرةٍ محافظة، شُيِّدت أركانها على قيم الإسلام الحنيف، وتجذرت في أعراف وأسلاف اليمن الأصيلة، بزغ الفجر بولادة الشيخ محمد علي صغير نهشل الخميسي عام 1967م، في قرية "الناصرة" بعزلة شرق الخميسين (مديرية خيران المحرق – محافظة حجة).

نشأ الفقيد في أسرةٍ لم يكن "المجد" عندها لقباً يُورّث فحسب، بل كان واجباً يُصان؛ فهي أسرةٌ ضاربةٌ في أعماق المشيخة والسيادة، عُرِفت بالفروسية والتضحية، وجعلت من العلم والعلماء مناراً، ومن إغاثة الملهوف نجدةً ودثاراً.

لقد كان الشيخ محمد نهشل امتداداً حياً لوالده الشيخ علي صغير نهشل (رحمهما الله)، حيث رضع لِبانَ القيم والمبادئ والأعراف منذ نعومة أظفاره، فكان من "الذرية السابقة" التي لم تكتفِ بالوقوف على أطلال المجد الذي سطره والده، بل سعى في تأصيله وتجديده بروح العصر.

يُعد الشيخ محمد نهشل الابن الثاني في ترتيب الأسرة، وقد                              

قيّض الله له رعايةً خاصة من أخيه الأكبر الأستاذ الشيخ 

علي بن علي صغير نهشل (رحمه الله)، الذي كان له الفضل الأكبر –بعد الوالد– في بلوغ الشيخ محمد مدارج الريادة.

لقد كان الأخ "علي" هو الرائد الذي لا يكذب أهله، والذي نقل شعلة التنوير من "مدينة الزهرة" ليزرع بذورها في نفس أخيه محمد، ثم في أرجاء المنطقة، متأثراً بكبار 

المعلمين كالشيخ العلامة "ابن عجلان"؛ فكان أخوه الشيخ علي هو المهندس الأول 

                                                    6

لشخصية الشيخ محمد نهشل الفذة، وغيره الكثير من الشباب الذين تأثروا بشخصيته، أمثال الإستاذ /احمد حسن علي الخميسي الإستاذ/محمد محمد صغير عبدالله والإستاذ/احمد محمد صغيرعبدالله

الإستاذ /حسن علي صغير هجيني، ابن الشيخ علي صغير هجيني

الإستاذ/أحمد ابراهيم عنتلي. 

عاش الشيخ محمد حياةً حافلة بالإصرار رغم المنغصات، محاطاً بإخوةٍ كرام: (الشيخ علي بن علي نهشل الأكبر، والشيخ خالد علي صغير نهشل  الأصغر –رحمهما الله–، والشيخ مبخوت علي صغير نهشل الأوسط–حفظه الله–).

وقد كُتِب على هذا البيت –بسبب تمسكه بالمبادئ– أن يعمّد قيمَه بالدم والتضحية؛ فاستشهد أخوه الأكبر "علي" في مخاضٍ نفسيٍ أليم، ولحق به أخوه الأصغر "خالد" في

 قضية سياسية معروفة، ثم ارتقى ابنه الأكبر الشيخ عبده نهشل-رحمه الله- 

شهيداً برفقة عمه، ليكون الشيخ محمد نهشل بحقٍ "أخاً لشهيد، ووالداً لشهيد"، ورفيقاً لشهداء الخنادق والمبادئ كالشهيد حسن علي صغير هجيني والشهيد عبدالغني سعد النهاري.

2- مدرسةُ الصبر: الأم العظيمة

لا يستقيمُ الحديث عن الأبطال دون ذكرِ صانعتهم؛ فقد وُلِد الفقيد لأمٍّ كانت مدرسةً في الصبر والإيمان والاحتساب -رحمها الله -. نشهد لها والجميع بأنها كانت "ثابتةً ثبات الجبال" صابرة محتسبة أمام كل فاجعة ألمّت بالأسرة، فكانت هي المحراب الأول الذي تخرج منه هؤلاء العظماء، تفيض صبراً وتُرضعُ يقيناً.

3- المؤهلات العلمية: من "المعلامة" إلى أعتاب الماجستير

قال ﷺ: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة"

تلقى الشيخ محمد تعليمه في بدايات حياته الدراسية في المعلامة –او ما كانت تسمى 

                                                   7

"الكتاتيب بسوق العريض"– على يد العلامة الشيخ محمد حسن سودي، ثم تنقل 

بجدٍّ  واجتهاد بين مديريتي (كشر وخيران) لإكمال دراسته الإعدادية، ثم رحل إلى المحابشة حتى نال الشهادة الثانوية من مدرسة "الثورة".

ولم يقف طموحه عند هذا الحد، فشدَّ الرحال نحو جامعة صنعاء لينال درجة "الليسانس" في الشريعة والقانون. 

وبشغفٍ لا ينطفئ، سجل في جامعة "عين شمس" بمصر لنيل درجة الماجستير، غير أنَّ القدر كان أسرع، فوافته المنية قبل مناقشة الرسالة، ليرحل وهو مرابطاً في "طلب العلم".

ولم تكن شهاداته مجرد "أوراقٍ" معمدة ،وضرورة يحتاج اليها، بل كان مؤهلاً بالفطرة، ذا ملكاتٍ عقلية ونباهةٍ وهبها الله له، يعجزُ الكثيرون عن مضاهاتها.

 كان حريصاً على تثقيف نفسه وجلسائه، فامتلك مكتبةً ضخمة، وحوّل مجلسه إلى "جامعةٍ مصغرة" تُدارس فيها العلوم والآداب والقوانين.

الفصل الثاني: 

المؤثرات الخارجية التي شكلت شخصيته:

1- مؤسسة عمار بن ياسر: مشكاة التنوير

بأمرٍ من والده وبجهدٍ أسريٍ جبار، تأسست "مدرسة النور" في بداية السبعينيات،قبل أن تنقسم الى مدرستين، مدرسة النور وكان مديرها الأستاذ الشيخ  محمد حسن سودي، في عهد الرئيس الحمدي ومحافظ محافظة حجه الشيخ مجاهد أبو شوارب، 

حيث انقسمت مدرسة النور إلى مدرستين:

-معهد عمار بن ياسر 1980م: يتبع الهيئة العامة للمعاهد العلمية، تحت إدارة الشيخ العلامة علي محمد عبدالله الخميسي (رحمه الله).

-ومدرسة النور بالمشاف: وبقيت تابعة لوزارة التربية والتعليم، تحت إدارة الشيخ 

                                                      8

العلامة محمد حسن سودي (رحمه الله).

وحين كانت المعاهد العلمية تستقطب نخبةً من المعلمين العرب الأكفاء (من مصر، والسودان، وفلسطين، والعراق، والصومال)، نشأ الشيخ محمد علي صغير نهشل معايشاً لهؤلاء المعلمين الذين كان والده يتعهدهم سكناً ومؤنة في بيته، في مناخٍ معرفيٍ عابر للحدود، صقل نبوغه التعليمي و حنكته السياسية ، ونمت شخصيته التربوية في بيئة مساعدة على الاستقامة ، من خلال القدوة والتوجيه.

لذا خاض الشيخ محمد غمار القيادة والسياسة مبكراً باقتدار، مقتفياً أثر أخيه "علي" الذي كان له الدور الأبرز في النهضة السياسية والعلمية للمنطقة؛ إذ كان الشيخ علي نهشل من أوائل المنضمين لتكتل المؤتمر الشعبي العام في فترة العمل السري (الثمانينيات). 

هذا النضج السياسي المبكر داخل أسرته منحه توازناً نادراً بين الولاء الوطني والارتباط العميق بقضايا مجتمعه.

2- أبرز من تأثر بهم الشيخ محمد نهشل (على سبيل المثال):

تأثرت شخصية الشيخ بكوكبة من الوجهاء والمعلمين، منهم: والده الشيخ علي صغير نهشل الخميسي الذي يعتبر الموجه الأول والمثل الأعلى في توجيه سلوكه، و أخوه الإستاذ علي بن علي نهشل والأستاذ أبو اليزيد محمود جعفر (من مصر وعدد من زملائه المصريين والعرب)، ومدير معهد عمار الشيخ العلامة علي محمد عبدالله الخميسي، ومعلمه في المرحلة الابتدائية الشيخ العلامة محمد حسن سودي، وصديقه الدكتور عبدالواحد عبدالله علي الخميسي، ومدير معهد النصر الأستاذ مبخوت زيد السعيدي، وصديق والده القاضي أحمد حسن الطيب، والدكتور أحمد جمال الدين استاذه في الثانوية والشيخ حسن عبدالله الشيخ، والاستاذ محمد أبكر شايع وغيرهم الكثير لايتسع المقام لذكرهم ولايحضرني بعضهم هنا

 رحم الله من توفي منهم وحفظ الله من بقي على قيد الحياة.


                                                      9

3- رفاق الدرب (القرناء):

وهم الذين صهرتهم المعارك الفكرية والسياسية معه، وأقربهم لقلبه: الأستاذ أحمد محمد 

صغير عبدالله، والشهيد حسن علي صغير هجيني، والأستاذ أحمد إبراهيم عنتلي، والشهيد عبدالغني سعد النهاري، والأستاذ عبده واصل.

عن المرئ لاتسأل واسأل عن قرينه * إن القرين الى المقارن ينسب

كما كان لمرافقتة لوالده في حل القضايا القبلية أثرٌ حاسم في تشكيل شخصيته؛ حيث احتك بكبار مشائخ اليمن كالشيخ عبدالله بن حسين الأحمر -رحمه الله-

وتعلم في مجالسهم كيف تُوزن الأمور، فسبق عقله سنّه، وعُقِدت عليه الآمال ليكون قائد "ربان السفينة".

وكان الشيخ محمد نهشل- رحمه الله- خير خلفٍ لخير سلف؛ قاد سفينة التعليم والسياسة والسيادة بدعمٍ مادي ذاتي ومعنوي من أسرته ومحبيه.

 رحل تاركاً خلفه إرثاً من المجد، موازناً بين كونه "قائداً في الميدان"، و**"شيخاً في الوجدان"، و"مربياً فاضلاً بين الجدران"**.

رحمك الله يا شيخنا؛ فقد كنت فارس الميدان الذي تشهد له سهول حجة وهضابها، ويوم ترجلت عن صهوة جوادك، أظلمت آفاقٌ كنت أنت شعاعها المنير، وغابت شمسٌ خلف أفق الفقد.

ويصدق فيه قول أبي تمام 

وما كانت الآمالُ من قِلّةِ مالِهِ ... وذُخرٌ لِمَن أمسى وليس له ذُخرُ

توفيت الآمالُ بعد (محمدٍ) ... وأصبحَ في شُغلٍ عن السَفَرِ السَفَرُ

فَتىً كُلَّما فاضَت عُيونُ قَبيلَةٍ ... دَماً ضَحِكَت عَنهُ الأَحاديثُ وَالذِكرُ

مَضى طاهِرَ الأَثوابِ لَم تَبقَ رَوضَةٌ ... غَداةَ ثَوى إِلّا اِشتَهَت أَنَّها قَبرُ

ثَوى في الثَرى مَن كانَ يَحيا بِهِ الثَرى ... وَيَغمُرُ صَرفَ الدَهرِ نائِلُهُ الغَمرُ

                                                          10

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ وَقفاً فَإِنَّني ... رَأَيتُ الكَريمَ الحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ.                 

فتلاشت برحيلك أحلامٌ، وانطفأت أفكارٌ كنت أنت روحها وحاديها.

الباب الثاني:  الصفات الخَلْقية  والخلقية

أولا: صفات القائد المهيب الخَلْقية (البدنية)

الفصل الأول:

1. بهاءُ الملامحِ وهيبةُ القوام: صُورةُ القائدِ البدنية في أبهى تجلياتها

كان الشيخ محمد علي صغير نهشل الخميسي يمتلك مظهراً طاغياً يسبقُ منطقه، وقد حباُه الله بملامحَ تجمعُ بين وسامةِ الوجهِ وصرامةِ الرجولة؛ فكان "أسمرَ اللونِ" بسمرةٍ عربيةٍ أصيلة، تمنحُ وجهه عمقاً ووقاراً، وتزدادُ بهاءً بـ "حُسنِ التقاسيم" 

ونورِ النفسِ المطمئنة.

 لم يكن بالناحلِ المعيب، ولا بالعريضِ المترهل، بل كان "مفتولَ العضلاتِ"، صلبَ البنيان، في قوامٍ ينمُّ عن القوةِ والمنعة.

 كان "طويلَ القامةِ" كأنَّه مئذنةٌ في قومه، إذا مشى سارَ بوقار، وإذا وقفَ تجلت فيه "هيبةُ الكبار" التي تجبرُ الرائي على إجلاله قبل أن يعرفَ مقامه.

2. الأناقة الفطرية ونظافة المظهر

عُرِف بـ "جمالِ الهندام" ونظافةِ المظهر؛ فكان يرتدي ثيابه بأناقةٍ فطرية لا تكلُّف فيها، يعكسُ من خلالها وقارَ الوجهاء وهيبةَ القضاء وأدب العلماء.

 كان ثوبه يشي بشخصيةٍ دلَّ نظافة مظهرها قبل مخبرها على أنها شخصية منظمة ومهندمة، تحترمُ المجالسَ وتُقدّرُ الأعين في المكاتب والمدارس، فكان كالنخلةِ السامقة: طولاً، وجمالاً، وعطاءً.

 لقد كان مظهر الشيخ محمد يُمثلُ معادلةً نادرة بين "الوسامةِ والصلابة"؛ فهو حسنُ 

                                                            11

الوجهِ يُؤنسُ المجالس، وهو مفتولُ الساعدِ حاد النظر، طويلُ القامةِ جهوري الصوت، 

وله منطق أصحاب الجلالة والفخامة، فاجتمعت فيه زينةُ الخَلْقِ مع كمالِ الخُلُق.

الفصل الثاني: 

: الصفات الخلقية:

ًالسجايا والصفات النفسية والقيادية

لقد اجتمعت في شخصية الشيخ محمد علي صغير نهشل الخميسي، ماندرت لغيره،من صفاتُ القائد المسلم الشجاع، والتربوي الدعوي في البقاع، والعسكري المهاب في القلاع ،والسياسي المحنك بدهاء  ،والمصلح الإجتماعي بذكاء،والإداري المنضبط ،والتجاري الصدوق، الذي صاغ مفهوم "الوجاهة" بأفعاله قبل أقواله.

 ومن أبرز ملامح شخصيته التي استلهمها محبوه من سجاياه:

1. هيبة الوقار وكاريزما الحضور

كان الشيخ محمد ممن قيل فيهم: "له هيبةٌ لا تُرعب، ووقارٌ لا يُوحش". 

فكان إذا حضر في مجلسٍ، سكت الجميع تقديراً لا خوفاً. وكان وجهه بسّاماً بشوشاً في وجوه الضعفاء قبل الأقوياء، لكن كانت في عينيه نظرة ثاقبة تقرأ جوهر الأمور، وفي مخيلته حدسٌ يقرأه خاصةُ الحضور، فكان صمته تفكراً وكلامه حكمة وتأملاً. 

امتلك بصيرةً تنفذ إلى أعماق القضايا؛ فكان يزن الأمور بميزان الذهب عند الرزايا، ويخرج من معضلات الخصومات 

بحلولٍ تؤلف القلوب وتُؤدي الحقوق. 

كان يُعد "الصندوق الأسود" لمنطقته وحزبه عند اشتداد المعضلات، والحكيم الذي يلجأ إليه الجميع عند اشتداد الأزمات.


                                                          12.         

2. سخاء النفس وعلو الهمة

تجاوز كرمه حدود المادة ليصل إلى "كرم النفس"؛ فكان يتغافل عن الزلات، ويصفح عند

 المقدرة وقت المهمات، ويحمل أثقال الناس عنه.

 عُرِف بعفة النفس والترفع عن الصغائر وابتكار الحلول عند الكبائر، فكانت غايته "الأثر لا المنصب والمظهر"، يعيش بين الناس كأنه أحدهم، وفي الشدائد يتصدرهم كأنه والدهم.

3. الشجاعة الحكيمة والفروسية

كان شجاعاً بلا تهور، وشديداً بلا تذمر، وهو الفارس الحارس.

 لم تكن شجاعته بطشاً، بل كانت درعاً يحمي به المنكسرين، وسيفاً يقطع به دابر المتجبرين.

 وقد تجلت فروسيته في ثباته حين تضطرب الآراء، وفي وقوفه سداً منيعاً أمام ظلم الأقوياء، مع لين جانبٍ بالرفقاء ورحمةٍ فائقة بالضعفاء، كما سطرته مواقف حياته الخالدة كواحد من العظماء.

 وقد امتلك منطقاً سليماً وقدرةً عجيبة على "الاحتواء"؛ حيث يشعر كل من يجالسه بأنه أقرب الأقرباء. 

وكان لسانه أداةً للبناء، يجمع المتفرقين ويقرب المتباعدين بكلمةٍ طيبة تجبر الكسر وتنزل كالقطر وتزرع الأمل وتجمع الشمل.

 لم تكن وجاهة الشيخ محمد نهشل مجرد لقبٍ موروث، بل كانت "خُلُقاً يُعاش" وسلوكاً يقاس.

ولعل شهادة الشيخ علي محمد ستيله لأكبر دليل على ما تم ذكره من صفات خلقيه لهذا

الرمز وتدل على الهيبةُ الإيمانية والوقارُ القَبَلي التي كان يمتلكها الشيخ محمد نهشل 

ينقل لنا الشيخ علي محمد ستيله جانباً من كواليس اللقاء الأول الذي جمعه بالرمز 

                                                        13

الراحل، واصفاً الأثر الروحي والفكري الذي تركه في نفسه.

حيث قال: "أودُّ الحديث عن الشيخ محمد نهشل -رحمه الله-؛ فقد عرفته لأول مرة في عام 1995م حين كنتُ في صعدة مع المحافظ (علي بن علي القيسي)، وجاء الشيخ محمد نهشل في زيارة رسمية للمحافظة.

وكان لديه موعدا للقاء المحافظ وحينما جاءنا البلاغ استقبلناه عند البوابة، ومنذ اللحظة الأولى تملّكني الإعجابُ بهذا الرجل؛ لما رأيتُ فيه من نبل الأخلاق وعلوّ القيم. 

لقد كانت تعلوه هيبةٌ ممزوجةٌ بتواضع، ووقارٌ يذكرك بالأصالة والقبيلة والحكمة والعرف والسلف، فضلاً عن ذكاءٍ وقادٍ كان يلمع في عينيه.

جلسنا سوياً في المكتب وهو ينتظر الدخول على المحافظ، وبمجرد أن بدأنا الحديث، تلا آيةً قرآنية لا تزال أصداؤها تتردد في مسمعي إلى اليوم، وكلما بلغتُها في المصحف تذكرته ودعوتُ له ولأخيه خالد بالمغفرة. تلا قوله تعالى:

﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 1-2].

لقد لخصت هذه الآية حال هذه الأسرة العريقة وما تلقته من ابتلاءات وتمحيص، وما واجهته من أذى وصبرٍ وثبات على الحق والمبادئ والقيم.

بعد هذا اللقاء الأول أحببته واحترمته وأقدره و ارتبطتُ به بعلاقةٍ وثيقة حتى وفاته، وشاركتُ في تشييعه، ثم استمرت العلاقة مع رفيقي وصديقي الشيخ خالد -رحمه الله- الذي كان مرآةً لصفات أخيه محمد.

ولنا معهم ذكرى في البلاد وحجه وصنعاء.

لقد كانوا رجال كلمة، ورجال صدقٍ ووفاء، ورجال مبدأ ودين وقبيلة وسلف وعرف وكرم وحلم ونجده وشهامه ورجال مواقف. 

إنَّ هذه الأسرة هي تاجٌ على رؤوس الشرفاء والمخلصين، ومن عرفهم حق المعرفة لا يسعه إلا تقديرهم والترحم عليهم".

اللهم  ارحمهم جميعا وادخلهم فسيح جناته.

                                                          14

الفصل الثالث:

 مواقف من سجل الخلود دلت على عظمة سجاياه

1. حنكة القائد في إخماد الفتن وتصفية القلوب

كان الشيخ محمد يمتلك قدرةً عجيبة على امتصاص الغضب وتأليف القلوب؛ فإذا ما تناهى إلى مسامعه أن بعضاً من رعيته قد نالهم الكدر أو عصفت بهم رياح التغيير

 نحوه، لم يطق انتظار الصباح؛ بل كان يمضي إليهم في عتمة الليل، مترجلاً، متواضعاً، ليغسل بكلماته العذبة وتواضعه المهيب وعثاء الصدور وأقاويل الزور، فكان يبرد القلوب بحرارة حبه وببرد حلمه ونقاء صدره، ويسامح الجميع حتى يغدو الصفح ثقافةً بين الناس في عصره.

2. الأبوة الحانية مع طلاب العلم

في تسعينيات القرن الماضي، وحين كان الفقيد يتنسم عبير المسؤولية في محافظة حجة، لم تشغله المناصب عن المكاسب لأبنائه "الطلاب". 

كان إذا لقي طالباً في زقاق أو شارع، ناداه بلهفة الأب، وهمز في جيبه ما قسمه الله من مال، قائلاً بابتسامة المجبور: "هذه لتخزينتك اليوم"، في دعمٍ خفيٍ لا رياء فيه، ليرفع به عن كاهلهم عناء الاحتياج. 

كان مترفعاً عن كبرياء المناصب، وكان رفيقاً لمائدة معظم الطلاب أصحاب البلاد لاسيما النسايب والأقارب؛ وقد تجسدت فيه معاني المواساة في أبهى صورها؛ فكان يغشى مطاعم الطلاب البسيطة، يجلس بينهم، يمازحهم، ويأكل من "فطائرهم" الرخيصة وطعامهم المتواضع دون أن يفضل نفسه بلقمة، كأنه واحدٌ منهم. 

لم يكن يجلس معهم كمدير استئناف محكمة حجة، ولم يرَ نفسه أنه ابن الشيخ نهشل صاحب الهيبة ، ولا كوجيه يخطب وده أغلب المسؤولين أصحاب حجه، بل كأخٍ يقتسم معهم الرغيف ليعلمهم أن العظمة في البساطة، وكأب يعلمهم أدب التواضع، وكمربٍ يعلمهم ضرورة التقشف.

                                                        15

 كان يفرح لمن يأوي إليه من الطلاب ليسكن معه بسكنه الخاص كما فعلها معه الاستاذ قرحش حيدري؛ كم من المرات يصر على أن نأتي إليه للسكن معه ونرفض بحجة امتلاء البيت بالناس ، وبالضجيج  من أصحاب القضايا.

 كما كان "يعتب" إن تغيبنا عن اليوم الأسبوعي المخصص لزيارته وعزومته ومجابرته والاستماع لنصائحه وعرض مشاكلنا وما يعترضنا من مصاعب ومصائب لتذليلها لنا، كي لا تعيق مسيرتنا التعليمية في غربة الدراسة. 

                                                      

كم كان محفزاً لنا حينما كان يلتقي بنا ويقول: "تعلموا وتقدموا وأنا معي لكم مفاجأة                                                         

لكل متفوق وجائزة"، آهٍ آهٍ على رجل لن يعوض وزمن كنا لم ندرك فرصته وهو موجود بين أظهرنا.

3. نخوته ونجدته العابرة للحزبية (قضية الدكتور رضوان الرباعي مثالاً        قصة المعيد الدكتور رضوان علي علي الرباعي حينَ خذلتهُ "الأواصرُ" وأنقذتهُ "المروءة" والقرارِ الذي انتزعهُ الشيخ محمد نهشل- رحمهما الله-

يروي التاريخُ بمدادٍ من الاعتزاز، قصةً جمعت بين علمٍ شقَّ طريقه نحو النور، وطودٍ لم يعرف يوماً معنى الخذلان؛ بطلاها الرمزُ الراحل الشيخ محمد نهشل، ورفيقُ الدراسة الدكتور رضوان الرباعي (رحمهما الله).

في عام 1998م، وحين كانت شمس التخرج تشرقُ من كلية التربية بحجة، كان الدكتور رضوان يحملُ في صدره طموحاً مشروعاً بأن يكون "مُعيداً" في رحاب كليته. 

ولأنه آمن بأن الوفاء يُقابل بالوفاء، طرقَ أبوابَ رفقاء "الانتماء" الذين بذل لهم سنواتِ عمره خدمةً وجهداً، فما وجد عندهم إلا صدوداً، وما جنى من وعودهم إلا السراب، حتى أطبقت عليه سُحبُ اليأس.

وحين ضاقت به السُّبل، وجه قِبلته نحو "ملاذِ المظلومين"، الشيخ محمد علي صغير نهشل. لم يكد المتميز الدكتور رضوانُ الرباعي يبثُّ شجونه ويضعُ حاجته بين يدي الشيخ، حتى انتفض الشيخُ انتفاضةَ الليث، ولم يرتضِ لمجلسه قراراً حتى يرى الحقَّ 

                                                    16. 

استقام بقرار الإعادة.

لم يكتفِ الشيخُ بشفاعةٍ هاتفية أو رسالةٍ عابرة، بل قام من مَقامه قاصداً "صُنّاع القرار"، وسار بخطواتٍ تسبقها هيبته ويقودها إيمانه بالحق. 

كانت المروءةُ تسيرُ في ركابه، والعدالةُ تطلُّ من عينيه؛ فلم يعد من وجهته إلا والقرارُ في قبضته، والإنصافُ يرفرفُ فوق رأس الدكتور رضوان الرباعي.

بفضل الله، ثم بوقفةِ الشيخ التي لا تَعرفُ الالتفات، عُيّن رضوان الرباعي معيداً، لِيُثبتَ الشيخ محمد نهشل للعالم أنَّ "الوجاهةَ الحقيقية هي التي تنتصرُ للعلمِ حين يخذلهُ أهله، وأنَّ هيبةَ الرجال تفتحُ الأبوابَ التي أوصدتها السياسة".                                          

 لقد كان الشيخ محمد "الجسر" الذي عبر عليه المبدعون نحو غاياتهم دون منٍّ أو أذى.

4. امتاز بالتواصل القيادي الذكي (لغة الإشارة)

ومن أندر صفاته القيادية التي كانت تبهر الحاضرين في المواقف الصعبة، هي قدرته الفائقة على إدارة رجاله ومرافقيه بـ "لغة الإشارة". 

ففي اللحظات التي كان الصخب فيها والفوضى يملأ المكان - في بعض الأحيان- و حين يستدعي الموقف حذراً وسرية، لم يكن الشيخ محمد يلجأ إلى كثرة الكلام؛ بل كان لديه نظامٌ دقيق من "الإشارات والإيماءات" يفهمها مرافقوه بلمح البصر. 

كانت إشارةٌ واحدة، أو نظرةٌ حادة من عينيه، كفيلةً بأن تجعل مرافقيه يغيرون مواقعهم، أو يهدئون من حدتهم، دون أن يلحظ الطرف الآخر شيئاً.

 هذا الأسلوب كان يعكس الهيبة العالية، وتربية أتباعه على النباهة، والسيطرة والاحتواء في موقف اللحظة، وضبط انفعالات رجاله.

 كما يدل على الحنكة الأمنية حيث كان يدير "الميدان" بتنسيقٍ صامت يربك الخصوم.

 لقد كان مرافقوه كأعضاء الجسد الواحد، يحركهم بعقله ويقودهم بإشارته.


                                                         17. 

5- العدالة والرحمة داخل بيت الأسرة

لم تكن عدالته مجرد ميزانٍ للمساواة، بل كانت "رحمةً" تسمو فوق العاطفة؛ فقد كان يُقدم إخوته الصغار وأولاد أخيه الراحل على أولاده في العطاء والاهتمام، جاعلاً من نفسه حصناً لهم وسنداً. 

وكان يرى في ملامح أبناء أخيه أمانةً مقدسة، فكان يفيض عليهم من حنانه وسخائه ما قد يستأثر به الأب لصالح أبنائه، بل ومفضلاً للفرع على الأصل لضمان جبر الخواطر ومداواة فواجع فقد المخاطر. 

أما علاقته بإخوته، فقد كانت علاقةً استثنائية تجاوزت أخوّة الدم إلى أبوّة الروح؛ فبالرغم من كونه أخاً، إلا أنه كان ينظر إليهم بعين الأب الحاني، يحمل أثقالهم عنهم، وكأنه كفيلهم الذي نذر حياته ليبقى شملهم مجتمعاً، وتأهيلهم مكتملا، وهو مانراه 

                                                      

ماثلا الى يومنا هذا تحت مظلة الشيخ مبخوت علي صغير نهشل حفظه الله.

ولعل أكبر دليل على هذه الصفات في شخصية الشيخ محمد نهشل هي 

شهادة الوفاء (بقلم الشيخ عصام نهشل):

إذ لم تكن زعامة الشيخ محمد علي صغير نهشل مجرد وجاهة قَبَلية للخارج، بل كانت "مدرسةً تربوية" احتضنت أبناء العائلة بكل تفاصيل حياتهم. 

وتتجلى هذه الروح في الشهادة المؤثرة للشيخ عصام نهشل، التي وثّقت كيف صنع الشيخ محمد نهشل من اليتم قوة، ومن التوجيه مستقبلاً:

يقول الشيخ عصام علي علي نهشل:

"نحن أولادُ علي -رحمة الله ورحم الله جدي علي صغير-ورحم الله- عمي محمد نهشل الذي يعتبر الأب الحنون بعد جدي- رحمهما الله- الذي ربانا، وهو الذي أشرف على تعليمنا، وهو الذي أغدقنا بعطائه حتى الجنابي (الصيفاني) هو من اشتراها لنا. 

                                                        18

وأذكرُ أنني كنتُ مرافقاً له خلال أيام الانتخابات، فكان له الفضلُ الكبيرُ بعد الله في 

تربيتنا وتدريسنا وتشجيعنا الدائم.

ولما أُدخل مستشفى (جيلان) وقبل نقله إلى صنعاء، نزلتُ عنده، وكنتُ أرقبه وهو جالسٌ على كرسيه ينظرُ إليّ بنظراتٍ غامرة، فتقربتُ منه ودنوتُ، وقلتُ له بقلبٍ مثقل: (يا عم.. لمن تتركنا؟ ومن لنا بعدك؟). فكان ينظر إليّ نظراتٍ رأيتُ فيها الموت، واللهِ العظيم إني رأيتُ الموت في عينيه وهو لا يزال في مستشفى جيلان -الله لا لقاهم خير،  - ثم نُقِل إلى صنعاء وفاضت روحه إلى بارئها.

واللهِ العظيم، إنَّ المصروف الذي كان يخصنا به كل أسبوع كان يبلغ (خمسة آلاف ريال)، وأنتم تدركون قيمة هذا المبلغ في ذلك الزمن؛ حيث كان يعادل راتب موظفٍ كامل في الشهر. 

وبعد وفاته، مكثنا أكثر من سنةٍ كاملة ننفقُ من ذلك المصروف الذي إدخرنا منه. 


6-تمثّل قيم الإسلام سلوكاً وتطبيقاً لحديث (سيد القوم خادمهم) - "رحلة عدن" مثالاً

في مشهدٍ يفيضُ نبلاً، تُسجل ذاكرة الأوفياء رحلتي معه ومجموعة من الطلاب والمعلمين  إلى مدينة "عدن"؛ بإتصافه ببعض شمائل الاسلام ، حيث لم يرتدِ عباءة "القاضي" ولا باكورة "الشيخ" ولا عصا المعلم، بل ارتدى ثوب "الأب" وحنان المربي الذي يخدم أبناءه وطلابه.

 كان مشهداً مؤثراً حين رأى الطلابُ شيخهم وقاضيهم ومعلمهم يشمّر عن ساعديه، ليقف بنفسه في مطبخ الرحلة، يفرمُ بيده "السلطة" ويطهو الطعام لطلابه، حريصاً على أن يطعمهم من طبخ يده.

 لقد علّمهم في تلك الرحلة أن العظمة ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تكون أنت الخادم للناس والجسر الذي يَعبرون عليه، نحو مبتغاهم واهدافهم.


                                                         19

7- طاقة الجبال وهمّة الأحرار،

 صمودٌ لا يعرف الخوار:

ففي ميادين العراك السياسي والانتخابات النيابية لوالده في التسعينيات، تجلت فيه "طاقةٌ خارقة"؛ فقد كان رجلاً لا تعترف خارطة جسده بالتعب. 

تستذكر الذاكرة تلك الليالي الشاقة في شعاب (بني حربي، والدانعي، ومسروح)، حيث كان يواصل المسير من قريةٍ إلى قرية حتى الساعة الثالثة فجراً.

 وما إن تدق الساعة الثامنة صباحاً حتى تجده أول المستيقظين، قارِعاً "منبه" سيارته معلناً بداية يومٍ جديد، داعياً رفاقه للنهوض.

 لقد كان هو الوقود الذي يشعل الحماس في نفوسنا و من معه من المرافقين.

8- مهندس للقلوب وقائد للطاقات (الانتخابات النيابية في التسعينيات وترشح والده مثالاً)      

لم يكن الشيخ محمد مجرد مديرٍ لحملة والده الإنتخابية ، شديدة التنافس، بين حزبي الإصلاح والمؤتمر، على مقعد مجلس النواب ، بل كان عقلها المدبر؛ حيث استنفر طاقات الشباب، فجعل من أصحاب "الدراجات النارية" كتيبةً من المتطوعين يجوبون الفيافي والقفار في خدمته. 

كانت الجموع تتوافد إلى بيته لا طمعاً في مغنم، بل رغبةً في نيل شرف الخدمة تحت قيادته.

 لقد حول البيت إلى "غرفة عمليات" تُدار بالحب وتُنفذ بالإخلاص وتعمد بالوفاء، وتختم بالتضحية.

9- هيبةٌ بتواضعٍ وكبرياءٌ بزُهد

في الانتصار على نشوة الفوز 

فوزه بممثل المديرية للمحافظة ، بعد إنتصاره على منافسه من حزب المؤتمر ،باسم 

                                                        20

الإصلاح ،كان انكساراً لله وشعوراً بعظيم الأمانة.

 وعندما قام أخوه الشقيق خالد (رحمه الله) بإشعال الشعلات النارية احتفاءً بالنصر، لم يطق الشيخ أن يرى مظهراً من مظاهر "الخيلاء" أو استفزاز المنافسين؛ فهبَّ من مجلسه وهرول مسرعاً ليزجر أخاه حازماً، ليلقنه درساً بليغاً: أنَّ القائد الحقيقي لا يرقصُ على جراح منافسيه، بل يستقبلُ النصرَ بالصمتِ والعمل ، واني لأستذكر تلك اللحظة الذي بدى فيها غاضبا مستنكرا ،وهم بضرب اخيه الأصغر الشيخ خالد رحمه  ليأدبه،و ليعطيه درسا لمستقبله ،و كيف يستقبل الكبار إعلان النصر؟

 درس بليغ استوعبه كل من حضر الموقف ،وانا منهم .

10- خلط السياسة بالتجارة والوفاء بالصدق مع الشركاء

عرف عنه النقاء في الكسب والوفاء مع الشركاء خاض غمار السوق بروح "التاجر الصدوق".

 وتجلت ثمار هذا النقاء في علاقته مع شريكه الأخ إبراهيم لطف الحملي،الذي وصفه       

 بقوله كان الشيخ محمد صادقا ووفيا؛ حيث بُنيت الشراكة على الثقة المطلقة.

 وكان أعظم برهان على صدقه هو استمرار هذا الوفاء من الشريك حتى بعد رحيل الشيخ، وهي "الشهادة الأسمى" التي تثبت أنه ترك "سمعةً كالمسك".

11 -  ملاذ الخائفين وعون المحتاجين وطهر الجالسين

فكان مجلسه حصناً ضد رذائل الأخلاق؛ فلا يسمح بـ "الوشاية" ولا الغيبة والنميمة.

 وكان حينما يعود من "حجة" إلى بيته، يتحول مجلسه إلى "مزارٍ مزدحم" بالأفواج التي يسوقها الحب ويحدوها الأمل، 

ومع ذلك، لم يكن يستثقل أحداً، بل كان يبرُّ بالجميع ويسأل بلهفةٍ عن الغائبين.

 كان يعطي السائل قبل أن يطلب، ويواسي الفقير بالعطايا التي تصون كرامته، قبل أن يطرق.

                                                       21. 

 يزور المريض ويتفقد الناس في بيوتهم، حتى تحول في أعينهم إلى "غياثٍ" يلجؤون إليه في الملمات، وعند اشتداد الأزمات.

12-  مرجعاً في الحكمة وفصل الخطاب

كان "القطب" الذي تدور حوله بوصلة الحل لقضايا الناس من جميع المشارب والمذاهب والأحزاب.

 نال من الثقة ما عجزت عنه المواثيق؛ فكان الحزبيُّ يرى فيه الإنصاف، والقبليُّ يرى فيه الأصالةوالإخلاص.

 امتلك بصيرةً في "حل المسائل الشائكة" بأصابع الحكمة، فصار المرجعَ الذي يأوي إليه المتخاصمون.

                      

الباب الثالث:

 المسيرة المهنية والإنجازات.. هندسة البناء وإرادة التغيير

الفصل الأول:

 المناصب والمهام السيادية.. كفاءةٌ تتجاوز الشعارات و الرتب

لم يكن الشيخ محمد نهشل مجرد موظفٍ في سلك الدولة، بل كان رجلَ دولةٍ بامتياز، حاز من الثقة ما جعله يتبوأ مناصب حساسة تطلبت حنكةً وعدالةً استثنائية، ومن أبرزها:

1-مدير محكمة استئناف محافظة حجة: حيث أرسى دعائم النظام الإداري في صرح القضاء، مستنداً إلى مؤهلاته القانونية العالية.

2-رائد العمل الانتخابي: تولى رئاسة ثلاث لجان أصلية للانتخابات النيابية (بدءاً من مجلس الشورى).


                                                       22. 

3- كما ترأس اللجنة الإشرافية بمحافظة حجة للانتخابات الرئاسية عام 1999م في كافة مراحلها (القيد، التسجيل، والاقتراع)، مما يعكس حياده ونزاهته التي أقرّ بها خصومه قبل أصدقائه.

4- تولى رئاسة اللجنة الأصلية للتعداد السكاني: في مديرية حرض خلال الثمانينيات، وهو في مقتبل العمر، مما كشف عن نبوغٍ إداري مبكر.

5- إدارة المؤسسات التعليمية: عمل مديراً لمعهد المعلمين (نظام ثلاث سنوات) التابع للوزارة، بالتزامن مع إدارته كمشرف لمعهد المعلمين التابع للهيئة العامة للمعاهد العلمية في نفس مبنى معهد عماربن ياسربالخميسين.

 ولم تقف مهامه عند حدود المكاتب الرسمية، بل كان "قاضياً شعبياً" ومرجعاً في السلف والعرف القبلي، يحلُّ المعضلات التي تعجز عنها السلطات، مقدماً في سبيل ذلك التضحيات الجسدية والمعنوية والمادية، جاعلاً من وجاهته جسراً للسلام الاجتماعي في المحافظة والجمهورية.

                                       

الفصل الثاني: 

الثورة التعليمية.. غرسُ العلم في أرض الخميسين

آمن الشيخ محمد أنَّ الجهل هو العدو الأول، فكرَّس حياته لبناء العقول، وسجل إنجازاتٍ غير مسبوقة منها:

1-بناء وتطوير معهد عمار بن ياسر بالخميسين: فقد أسهم في رفده بفصول جديدة، ولم يكتفِ بالتأسيس فحسب، بل طوَّر المعهد وافتتح نظام المعلمين ليكون منارةً تمنح "دبلوم المعلمين" (ثلاث سنوات بعد الثانوية) بقسميه العلمي والشرعي، بعد أن كان الحصول على هذه صعبا ،ويتطلب تكاليف مادية كبيرة، في ظل عجز الكثير من الأسر في إفاد أسرهم، لمحافظة الحديدة لدراسة شهادة دبلوم المعلمين فأصبح ذلك متاحا، وقريبا بعد أن أصر الشيخ على فتح نظام دبلوم، في شرق الخميسين لأول مرة ،وفي محافطة حجة كتابع للهيئة العامة للمعاهد العلمية محافظة الحديدة .

                                                          23. 

وقد تخرج من معهد المعلمين في عمار بن ياسر آلاف المعلمين من مختلف مديريات المحافظة يعود فضل ذلك التأهيل كله للشيخ محمد نهشل وحرصه الكبير على التعليم ونهضته من خلال تأهيل آلاف الشباب ليكونوا رافدا في بناء هذا الوطن الحبيب.

-فتح فروع جديدة لمعهد عمار لنشر التعليم وللتوسع التعليمي: بالتعاون مع رفيق دربه الأستاذ أحمد محمد صغير، وقد أسهم في افتتاح واعتماد فروع جديدةٍ لمعاهد تعليمية امتدت لتشمل: (معهد يحيى عياش في عاهم، معهد اليرموك في مستبأ، ومعهد خالد بن الوليد في بني عبر) كانت تلك المعاهد ينابيع للنور والمعرفة، استفاد منها سكان تلك المناطق، والتي مازالت تلك المؤسسات التربوية ، التي تحولت الى مدارس، تفي بالغرض حتى اليوم .

فجزاه الله خيرا عن كل فرد، وكل حرف، كان هو السبب في نطقه، داخل تلك المحاضن التربوية.

2-الحنكة وفن القيادة مع الوزارة: في واقعةٍ تسجل بمداد الإعجاب، استطاع بحنكته إقناع وزارة التربية والتعليم بفتح معهد للمعلمين دبلوم نظام ثلاث سنوات ،يتبع الوزارة

 في ذات المبنى الذي يضم معهداً يتبع الهيئة العامة للمعاهد العلمية في معهد عمار بن 

ياسر بالخميسين، ليوفر لطلابه خياراتٍ أوسع، ضارباً أروع الأمثلة في القدرة على الإقناع وتجاوز العقبات البيروقراطية والحزبية والمناطقية؛ فكان لدينا بفضله - بعدالله -  معهدان للمعلمين، أحدهما يتبع الهيئة والآخر يتبع الوزارة.

3-تعليم الفتاة: كان سباقاً في اعتماد "معهد سمية للبنات"، واضعاً بذلك المداميك الأولى للقضاء على الأمية في صفوف النساء، بجوار معهد عمار بدعم وتعاون الشيخ علي محمد عبدالله رحمه الله والاستاذ أحمد محمد صغير عبدالله

4-تأسيسه لسوق العند.. كانتصار للمظلومين وكسر لجبروت الظالمين.

لم يكن الشيخ يطيق رؤية الضعفاء يُظلمون، وحين ضجَّ أصحاب البسطات من أبناء تهامة المساكين من جور الجبايات وإهانات بعض المتنفذين في سوق "عاهم"، قرر الشيخ وبدعم من والده الشيخ علي صغير نهشل ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 

                                                      24. 

ومحاربة الظلم الواقع في سوق عاهم وبرؤيةً اقتصاديةً واجتماعية ثورية؛ أسس "سوق الاثنين" بمديرية مستبأ، والذي عُرِف بـ "سوق العند"؛ عناداً للظالمين، وانتصاراً للمظلومين، وبالتعاون مع مشائخ وعقال مديرية مستبأ ، وبإتفاق وتوافق مع الشيخ علي صغير نهشل وقبائله من الخميسين. 

لقد مات صاحب الفكر، وبقيت الفكرة، وبقي السوق حتى اليوم، شرياناً تجارياً يشهدُ له بالفراسة والرحمة والنصرة وتغيير المنكر باليد.

5-جامع عماربن ياسر بالخميسين الكبير: فكما امتدت يده لبناء المدارس التعليمية، امتدت أيضاً لبناء المؤوسسات الروحية؛ وكان له الفضل الأول في تأسيس جامع عمار الكبير ،مع الأشقاء المصريين، ورفقائه اليمنيين الأوفياء.

6- هنْدَسَةُ الكِيَانِ وَتَثْبِيتُ الثِّقْلِ السُّكَّانِي :

لم تكن زعامة الشيخ محمد علي صغير نهشل (رحمه الله) محصورةً في حلِّ الخلافات أو إكرام الضيف فحسب، بل امتدت لتشمل بناء "القاعدة الاستراتيجية" التي تستند إليها (الخميسين) في انتزاع حقوقها من الدولة. 

لقد أدرك الشيخ -بِحسِّه السياسي الثاقب- أنَّ التنمية لا تأتي بالمطالبات العاطفية، بل بلغة الأرقام والإحصاء.

ففي آخر التعداد العام للسكان والمساكن للجمهورية اليمنية  ، قبل وفاته ،تحول الشيخ محمد نهشل وفريق عمل تم تكوينه إلى "غرفة عمليات وطوارئ" لا تهدأ. 

سخر وقته، وجهده، وسيارته الخاصة، ليجوب القرى والوديان، شرقاً وغرباً، محولاً نفسه إلى منبر إعلامي جوال يوعي الناس بأهمية "الرقم" في خارطة الدولة. 

كان يدرك أن كل فرد لا يُسجل هو "فرصة ضائعة" على العزلة في الوظائف، والمشاريع، والمساعدات الإنسانية.

وبفضل هذا الإشراف الميداني الدقيق، قفزت الأرقام لتضع (الخميسين) في مكانتها الطبيعية، حيث أظهرت النتائج أن تعداد "عزلة شرق الخميسين" وحدها بلغ 19,553 نسمة

                                                       25. 

 (10,542 ذكوراً، و9,011 إناثاً)، موزعين على 2,716 أسرة.

وبحسبة بسيطة، فإن مجموع سكان (عزلتي شرق وغرب الخميسين) بات يقترب من نصف سكان المديرية بأكملها.

 هذا الثقل الديموغرافي لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة "جهد جهيد" قاده الشيخ ليضمن عدم "تقزيم" المنطقة أو تهميشها بسبب الجهل أو الإهمال.

إنَّ ما يجهله الكثيرون اليوم هو أن كل خطة تنموية، أو مشروع خدمي، أو مركز تمثيل في المجالس المحلية (والذي حصدت فيه الخميسين 7 مراكز انتخابية بفضل كثافتها)، إنما هو مَدينٌ لتلك الوقفة التاريخية . 

لولا ذلك الاستنفار الذي قاده الشيخ، لظلت الخميسين صغيرة في سجلات الدولة، محرومة من حصصها العادلة.

فالوعي السياسي المبكر الذي كان يحمله: هو إدراكه أن حقوق القبيلة في "دولة المؤسسات" تُنتزع بالإحصاءات الرسمية وليس فقط بالوجاهة القبلية.

كان يحمل روح قيادية عملية اذ لم يكتفِ بالتوجيه من ديوانه، بل نزل للميدان وحوّل سيارته إلى وسيلة نقل للموظفين والمراقبين، مما يعكس شخصية "القائد العملي".

كما أن  اهتمامه بتسجيل كل فرد (حتى الإناث والأطفال) ينم عن عقلية تنموية تريد تأمين مستقبل الأجيال القادمة لا المكاسب اللحظية.

لله درُّه من بطلٍ قومي، كان لديه حِسٌّ أمني، وتربوي، واجتماعي، وسياسي متكامل.. لو لم تكن له من حسنةٍ إلا حفظ "ثقل الخميسين" وكيانها في سجلات التاريخ، لكفته فخراً وأثراً نقتفي خطاه حتى اليوم.

الفصل الثاني:

 تأثيره شعبياً ورسمياً وأثره في الزعامة والعزة والتمكين:

لم يقتصر تأثيره على مديريته، بل وصل تأثير الشيخ محمد نهشل إلى سقف المحافظة واليمن قاطبة، حتى غدا اسمه "حصانةً" وملاذاً للمكروب ومفتاحاً للقلوب.

                                                         26. 

1-هيبةٌ تفتحُ الخطوط: كان اسم الشيخ "محمد نهشل" كافياً ليطأطئ المتقطعون رؤوسهم في النقاط عند التفتيش؛ تقديراً لفضائل الشيخ وجمائله التي غمرت الجميع، فكان من ينتسب إليه يعيش في كنف العزة والكرامة والمنعة، وما إن تذكر اسمه إلا وفاح كالعطر، ويُسمح لك بالمرور ولو كان من قِبَل قاطع طريق ناهيك عن النقاط الرسمية.

2- عصر الطوفان البشري والسياسي المؤيد: استطاع الشيخ أن ينقل عزلته (الخميسين) وحزبه (الإصلاح) من مربع الهزيمة أمام قوة الحزب الحاكم إلى مربع النصر؛ ففاز حزبه في انتخابات المجالس المحلية بكامل مراكزها في الخميسين (شرقاً وغرباً)، ماعدا مركزا وفاز هو بمقعد ممثل المديرية للمحافظة، بل وكان له الدور الأبرز في فوز محافظة حجة بعضوية مجلس النواب في كثير من الأحيان.

3-تأثيره في النخب السياسية من المنافسين: لقد تجاوز تأثيره حدود الحزبية، فكان صديقاً وفياً ومستشاراً موثوقاً لمسؤولي المحافظة، وعلى رأسهم المحافظ الدكتور علي حسن الأحمدي، الذي ربطته بالشيخ صداقة وشراكة وثيقة. لقد امتلك الشيخ محمد 

نهشل فنوناً في التعامل جعلت المشايخ والوجهاء يدينون له بالولاء الشخصي لمواقفه المشرفة معهم من مختلف الأطراف.

كما كان له علاقة قوية ووثيقة مع الشيخ محمد صالح القاضي حين اسهم الشيخ محمد نهشل في فتح فرع تعليمي له في منطقته. 

كما كان له علاقة قوية مع معظم مشائخ المحافظة بمختلف مشاربهم كالشيخ علي بن علي القيسي ومشائخ وشحة وقارة وحاشد كاالشيخ عبدالله الأحمر وأولاده

ومشائخ حجور كالشيخ فهد دهشوش ومحمد حسين مصور وميقار والزعكري  وغيرهم الكثير لم يتسع الوقت لذكرهم هنا

 وقد استفاد منه حزبه؛ فمنح القوة لحزبه، بعكس الآخرين الذي كان الحزب هو من يمنحهم القوة؛ فكان الشيخ محمد نهشل هو من يمنح "الحزب" القوة والنفوذ، لا العكس.

لقد شمل تأثيرة على كل النخب السياسية من مختلف الاحزاب، فقد بلغ  تأثيره طالب 

                                                          27. 

العلم، مواطن بسيط، تاجر صدوق، موظف حكومي ،قاضي محكمة، مسؤول و عسكري ،شيخ قبلي ، محافظ محافظة ،عضو في مجلس النواب، لقد أثر في الجميع وتأثر به الجميع.

الباب الرابع: "كتابُ الفضائل: 

مواقفُ الشيخ محمد نهشل.. بينَ هيبةِ القائدِ ورحمةِ المربي"

ملاحمُ بَنَتْ المجدَ وصَانَتْ الإنسان"

إنَّ عظمة الرجال لا تُقاس بما تركوه من خطبٍ وكلمات، وثروة مادية ،بل بما سطروه من مواقفَ في المنعطفات الصعبة. 

وفي هذا الباب، نستعرض "أدب السلوك" وعلوَّ الهمة للشيخ محمد علي صغير نهشل (رحمه الله)، من خلال وقائعَ حية شهد عليها الثقات، تبرز كيف كان هذا الرجل يمثل "دولةً في قبيلة" و"أمةً في رجل".

الفصل الأول:

 سِجِلُّ الخالدين.. مواقفُ صاغتها الحكمة وعمَّدتها الشهامة:

1-موقفٌ من سجل الحزم والرجولة:

 فحين تفرقت القبيلة والمشائخ ،حضر الشيخ "محمد نهشل" رحمه الله

في حادثةٍ هزت أركان مديرية حرض، حيث لقي أحد أبناء "الخميسين" الساكنين بالشريفية حتفه برصاص "سلاح الحدود اليمني" عند النقطة المشتركة في الحدود، وفي محاولة للتنصل من المسؤولية، أنكرت السلطات اليمنية جرمها وألقت باللائمة على الطرف الآخر خلف الحدود. 

وقالوا قتله سلاح الحدود السعودي 

يومها اجتمعت مشايخ الخميسين، ولكن أصابهم الوهنُ أمام تبريرات القادة العسكريين، فتفرقوا دون طائل، وكادت  القضية أن تقيد ضد مجهول، وكاد دمُ المقتول أن يذهب 

                                                         28. 

هدراً.

وحينما، وصلت أصداء الفاجعة إلى مسامع الشيخ محمد نهشل، أصدر أمره الصارم: "أن لا يُوارى  الجثمانُ الثرى حتى أصل". ولا يذهب به لأي مكان. 

 وصل الشيخ في وقتٍ قد انسحب فيه الجميع، فخاطب مدير الأمن وقائد معسكر "المحصام" بلهجةِ الواثق الذي لا يهاب: "لكم مهلةٌ حتى مغرب الشمس لتسليم الغريم، وإلا فقد أعذر من أنذر، والوجهُ من الوجهِ أبيض".

لم تكن كلمات الشيخ مجرد وعيد، بل كانت إرادةً تتبعها قوة؛ فمع حلول المغرب، أحاط مسلّحو "الخميسين" بإدارة الأمن كالسوار بالمعصم. 

وأمام هذا الإصرار الفولاذي، انكسر جدار الإنكار، وامتثل قائد المحصام مرسلاً يطلب الحوار.

 فتحرك الشيخ نحو معسكر "المحصام" في موكبٍ مهيب تتقدمه عشر سيارات مدججة بالرجال والكرامة.

هناك، وأمام هيبة الشيخ، خضع القادة للحق، فقدم قائد معسكر المحصام ثلاث "بنادق" تحكيماً للشيخ، معترفاً بأن الرماية كانت "خطأً"، وأن الجاني خلف القضبان. 

وبشهامةِ الكبار، حفظ الشيخ كرامة الخميسين و الدماء بعد انتزاع الاعتراف، فمضى لدفن المقتول مرفوع الرأس. 

وفي اليوم التالي، بصرامةِ القائد وحكمةِ السياسي، قال الشيخ: "لقد احتكمتم إليّ، وأنا لا أحكم لنفسي، بل أحلتُ الحكم لكم، وكان رحمه الله متحملاً لكافة التكاليف والمصاريف من ماله الخاص، وكان رحمه الله  مكتفياً بقول والد المقتول: بكل فخر "يكفيني شرفاً أنهم اعترفوا".

الشاهد من القصة وماتدل عليه من سمات شخصية لهذا القائد العظيم رحمه الله

-السيادة والحسم: تجلت في قدرته على اتخاذ قرارٍ عجزت عنه بقية الوجاهات، وفرض إرادته على جهاتٍ عسكرية وأمنية في وقتٍ حساس.

                                                          29. 

-الشهامة وتحمل المسؤولية: لم يكتفِ بالتوجيه، بل حضر بنفسه، وأنفق من ماله الخاص لخدمة القضية، وصان دماء قبيلته من الضياع.

-الشجاعة الأدبية والميدانية: قدرته على محاصرة مؤسسات سيادية لانتزاع الحق، وثقته في رجاله وفي عدالة قضيته.

-عزة النفس والترفع عن الغرض: لم يحكم لنفسه أو يبتز الموقف لمكاسب شخصية، بل أحال الحكم لجهة عليا ( قائد المعسكر) لضمان نزاهة النتيجة وتثبيت الحق رسمياً.

-القدرة على احتواء الأزمات: وازن بين "القوة" لانتزاع الاعتراف، و"الحكمة" لتهدئة النفوس ودفن القتيل ووأد الفتنة بعد ظهور الحقيقة.

2- المحكم الذي يغرم ليعم السلام بين افراد قبيلته:

حيث قد حدثني عبدالله صوبي الاكوع وربما هناك من عاصر هذه القصة ومازال حيا ، حيث روى لنا البعض ممن حضر الموقف انه في يوم من الأيام شبت نارُ فتنةٍ بين "بني راجح" إثر حادثة رمايةٍ خلفت جراحاً في الأبدان وشقاقاً في الصدور.

مما سبب  انخرط الطرفان في "شريعةٍ طاحنة" وخصومةٍ حتى وصلت القضية حجه و كادت أن تأتي على الأخضر واليابس، حتى استقر بهم المطافُ بين يدي الشيخ **محمد نهشل**،

بعد أن ذهب بنفسه لكل طرف للإصلاح بينهم فوضع الطرفان أوزار الخصومة تحت سقفِ حكمه، ووقعوا له بـ "التحكيم المطلق" يقيناً في عدله.

وبعد أن جمع الطرفين في بيته وبعد نظرٍ وتأمل للمشكلة ، أصدر الشيخ حكمه الفَصْل بـ "تعويضات مالية" وهي مايقارب خمسمائة الف ريال يمني تضمنُ جبر الضرر ووأد الفتنة. 

وحين التفتَ الشيخُ إلى الغريم طالباً منه تسليم مبالغ الحكم لإنهاء القضية، وقف الرجلُ مطأطئ الرأس، مغلول اليد، وقال بمرارة: "ليس معي ما أدفعه"

هنا، تجلت عظمةُ النفس التي لا تراها إلا في سير الكبار؛ فلم يوبخه الشيخ، ولم يُطِل 

                                                          30. 

في أمد الخصومة، بل مدَّ يده إلى جيبه وأخرج المال دفعة واحدة، فعدّهُ ودفع مبلغ 

الحكم من ماله الخاص كاملاً غير منقوص. 

 ليشترى الشيخُ بماله سلامة الصدور، ويبيع دراهمه ليشتري سلامة دماء قبيلته وصونها، منهياً بوقفته تلك شريعةً كادت أن تتحول إلى ثاراتٍ لا تنتهي.

الشاهد من القصة والسمات الشخصية المستخلصة منها 

هذا الموقف ليس مجرد "كرم"، بل هو مدرسة في فن القيادة، وقد تجلت فيه السمات التالية:

- **الشهامة والترفع عن الغرض:** لم يحكم الشيخ بالمال ليدخله جيبه، بل دفع المال من جيبه ليؤلف بين القلوب، وهذا منتهى الترفع والنزاهة.

 -**الحرص على السلم الاجتماعي:*بين افراد قبيلته* فقد آمن الشيخ أنَّ "السلام" أثمن من المال، فبذل ماله الخاص لمنع تجدد الخصومات وحقن الدماء، مفضلاً خسارة ماله على خسارة أمن افراد قبيلته في المنطقة.

- **الجود الحاتمي:** دفع مبالغ كبيرة في قضية كادت أن تصبح قضية ثارات وتبادل  (الرماية وزيادة الجرحى) دون انتظار ردٍّ أو شكر، وهي شيمةٌ لا تتوفر إلا فيمن يرى المال وسيلةً للسيادة لا غايةً للاكتناز.

- **سرعة الحسم (البصيرة):** أدرك الشيخ أنَّ بقاء الحكم دون تنفيذ بسبب فقر الغريم سيبقي نار الفتنة تحت الرماد، فحسم الأمر بماله ليقطع طريق العودة للخصومة.

- **جبر الخواطر:** حفظ للغريم كرامته أمام خصومه، وجبر خاطر المجروحين بحقهم، ليكون هو "الخاسر مالياً" لكنه "الرابح إنسانياً وقبلياً".

3- الشيخ محمد نهشل رحمه الله رجل الدولة: سيادةٌ تحمي النظام وحنكةٌ تصونُ الكرامة.

في سجلِ أسرةٍ عُرفت تاريخياً بأنها صمام أمانٍ للمجتمع، وسنداً وفياً للدولة، سُطرت ملحمةٌ تجسد مفهوم "الشهامة المسؤولة". 

                                                        31. 

بدأت فصول القصة حين كان الشيخ خالد نهشل (رحمه الله) عائداً من "سوق عاهم"، ليجد أطقم الدولة في موقفٍ عصيب، محاصرةً من قبل قطاع طرقٍ يذودون عن سيارة (جيب) تريد السلطات مصادرتها.

وبشهامةِ البطل الذي يحقن الدماء، ترجل الشيخ خالد ليعرض وساطته؛ فاقترح على العسكر أن يتسلم السيارة بـ"وجهه" وضمانته لينهي الحصار، واتفق معهم على ذلك.

 توجه الشيخ نحو صاحب السيارة الذي وافق إجلالاً لسمعة "آل نهشل"، لكنه اشترط شرطاً: "إن تدخل العسكر أو حاولوا أخذها منك سأطلق النار". 

تسلم الشيخ السيارة، وبينما هو في طريقه، غدر أحد أفراد الأمن بالاتفاق، وقفز عنوةً داخل السيارة؛ وفي لحظةِ محاولة الشيخ خالد الوفاء بعهده وإنزال العسكري، انطلقت رصاصة الغدر من صاحب السيارة قاصدةً العسكري، لكنها أصابت الشيخ خالداً إصابةً بالغة.

المفارقة المؤلمة كانت في موقف أفراد الأطقم؛ الذين لم يحركوا ساكناً للدفاع عن الشيخ الجريح، بل انصبَّ همهم على الظفر بالسيارة والفرار بها، تاركين خلفهم من ضحى بدمه لأجل كرامتهم.

وحين وصلت الأنباء إلى الشيخ محمد نهشل رحمه الله، تحرك كالإعصار في جمعٍ من رجاله، وبمجرد وصوله فرَّ قاطع الطريق. 

وبذكاء المحامي وحنكة القائد، أدرك الشيخ محمد رحمة.الله تغشاه أنَّ هؤلاء العسكر وأطقمهم هم "الأدلة الجنائية" والشواهد الحية على التقصير في حق أخيه؛ فقام باحتجاز الأطقم وأفرادها واصطحابهم إلى بيته "معززين مكرمين بسلاحهم"، لا سَلباً للنفوذ، بل "تحريزاً للأدلة" وصوناً للدم.

استنفرت الدولةُ قواها لتحرير الأطقم، لكن حنكة الشيخ كانت أسبق من الفتنة؛ فاستقبل قائد الحملة بحوارِ العقلاء، وأفهمه أنَّ احتجازهم لم يكن اعتداءً بل "حفظاً لمسار العدالة".

 وعندما سأله مدير أمن المحافظة عن سبب احتجاز الأطقم، أجاب بكلمةٍ سارت بها 

                                                       32. 

الركبان: "فعلنا ذلك لنعرفَ حاميها من حراميها؛ فأخي تعاون معهم بالدم، وهم لم يردوا عنه حتى بصيحة!".

وانتهت القضية بشموخ؛ حيث أعاد الشيخ محمد سيارة "الجيب" لصاحبها الحقيقي (أحد أفراد الدفاع الجوي) بعد مطابقة أوراقه، وعفا عن الجاني بعد التحكيم، ليؤكد أنَّ "آل نهشل" لا يطلبون غنيمةً، بل يطلبون حقاً وكرامة

الشاهد من القصة والسمات الشخصية المستخلصة منها 

-الذكاء القانوني والميداني: تجلى في تحويل الأطقم العسكرية إلى "أدلة جنائية" ملموسة لإثبات التقصير، وهي عبقرية في إدارة مسرح الجريمة بلغة القبيلة.

-الحنكة في وأد الفتنة: قدرته على احتواء حملة عسكرية كاملة وإقناع قائدها بالمنطق، مع الحفاظ على كرامة الأفراد وسلاحهم، مما منع صداماً دامياً.

-الجسارة والقول الفصل: رده المفحم على مدير الأمن ينم عن قوة شخصية لا تحابي أحداً حين يتعلق الأمر بالعدالة.

-الأمانة والنزاهة: رفض الاستيلاء على السيارة رغم النزاع، وأصر على تسليمها لصاحبها الشرعي، مما يثبت ترفعه عن المغانم المادية.

-السمو والعفو عند المقدرة: ختم القضية بالعفو بعد انتزاع الاعتراف والتحكيم، وهي شيمةُ القادة الذين يبنون القيم لا الأحقاد.

4- مدرسة الرجال والوفاء للأجيال:

 بصيرة الشبخ محمد نهشل رحمه الله في زرع القادة من الرجال :

يروي الشيخ الإستاذ/خالد علي صغير هجيني حفظه الله  بمدادِ المحبة والامتنان، كيف استطاع الشيخ محمد نهشل رحمه الله أن يفتح مغاليق القلوب ببصيرته النافذة.

 كانت نظرة الشيخ محمد نهشل رحمه الله للطالب خالد هجيني الصغير نظرةَ إعجابٍ وثقة رغم صغر سنه ، لم تكن مجرد التفاتة عابرة، بل كانت استشرافاً لمستقبلٍ يرى فيه ملامح القائد المتزن والوفاء الأصيل، وكأنه يمهد الطريق لجيلٍ يحمل الشعلة من بعده.

                                                           33. 

يقول الشيخ خالد هجيني رعاه الله  "كنتُ حينها في الصف الثاني الإعدادي، وحين أعلنت إدارة المدرسة عن رحلةٍ استطلاعية إلى مدينة عدن، انقبضت نفسي وأحجمتُ عن التسجيل؛ فمبلغ المشاركة (ألفا ريال يمني) كان حملاً يعجزُ فتىً مثلي عن توفيره.

 لاحظ الشيخ محمد نهشل غيابي عن قائمة المشاركين، فدنا مني بوقاره المعهود متسائلاً عن سبب إحجامي، فأجبته بمرارة الصدق: (ومن أين لي ألفا ريال؟).

لم يمرَّ الموقفُ على الشيخ مرور الكرام، بل التفت إلى أخي الإستاذ حسن علي صغير هجيني (رحمه الله) بروح القائد الذي يستشعر حاجات رعيته، وقال بكلماتٍ حاسمةٍ جبرت خاطري ورفعت قدري: (ألفٌ عليك وألفٌ عليّ.. ولا بد أن يذهب معنا).

في تلك اللحظة، لم تُدفع الرسوم حق المشاركةُ فحسب، بل غُرست المودةُ في سويداء قلبي، ودخل حبهُ أعماق وجداني؛ لا لأجل المال، بل لأنه رآني بقلبه قبل عينه، وآمن بموهبتي حين كنتُ غائباً عن الحسابات."

الشاهد من القصة والسمات الشخصية المستخلصة منها

هذا الموقف هو تجسيد حي لمدرسة تربوية متكاملة كان يقودها الشيخ محمد نهشل،رحمه الله وتتجلى في السمات التالية:

-البصيرة والفراسة: امتلك الشيخ عيناً خبيرة تلتقط بذور النبوغ في الشباب، فكان يرى في الطالب خالد هجيني يحفظه الله "مشروع قائد"، فحرص على إشراكه في الرحلة لصقل تجربته مبكراً.

-الذكاء العاطفي وجبر الخواطر: دقة ملاحظته لانكسار الفتى وشعوره بالنقص المادي تدل على حسٍّ إنساني رفيع؛ فمهمته لم تكن الإدارة فحسب، بل رعاية النفوس وبناء المعنويات.

-مبدأ المشاركة وحفظ الكرامة: بقوله (ألفٌ عليك وألفٌ عليّ)، لم يشأ أن يجعل العطاء "صدقة" تكسر عزة نفس الفتى أو أخيه، بل جعلها "مشاركة أخوية"، وهذا منتهى الحكمة في أصول التعامل والاجتماع.

-صناعة الولاء بالحب: أدرك الشيخ أنَّ التربية بالحب هي أسرع الطرق للتأثير؛ فحين 

                                                          34. 

شعر الشاب بتقدير الشيخ وحبه، أصبح الشيخُ قدوةً له ونبراساً يقتدي به طوال مسيرته.

-الاستثمار في الإنسان: آمن الشيخ أنَّ خروج شاب نابه لرؤية آفاق جديدة (كرحلة عدن) هو استثمار حقيقي يفوق قيمة المال، فدفع من جيبه ليشتري فرصةً تعليمية وتربوية لهذا الشاب.

5-  قصةو عبرة في "أدبِ الحماية" ونبلِ الفروسية، حين يتحول القائد إلى حارسٍ يسهر لكي ينام الآخرون.

يروي الأستاذ حسن محمد شوعي الخميسي موقفاً يفيضُ نبلاً، يعود به الوجدان إلى أيام الفتنة والحروب القبلية (بين بني سعيد وبني عمر)، حيث ألقى الصراع بظلاله الثقيلة حتى على صروح العلم. 

يقول الأستاذ حسن شوعي :

"في تلك الأيام الغابرة، كان بيننا طالبٌ والدهُ قاضٍ من قبيلة كانت منخرطٌه في النزاع، وترددت إشاعة عن وجود "مترصدٍ مجهول" ينوي تصفية ذاك الطالب داخل سكننا. 

لم نكن نعلم أن عينَ الدولة وقلبَ القبيلة، الشيخ محمد نهشل، كان قد وضعنا تحت الحراسة.

في ليلةٍ مقمرة، ينسجُ ضوؤها خيوط الحذر على طلاب حجور" ، خرجتُ من السكن، فإذا بلمحِ خيالٍ يتحركُ في العتمة. 

انقبض قلبي، وظننتُه مترصد جاء لينفذ ماتردد من إشاعة .

 اقتربتُ بحذرٍ مشوبٍ بالرعب، وفجأةً.. انتصبَ من خلف صخرةٍ كأنه طودٌ عظيم، وأمسك بكتفي بقوةٍ هزت كياني.

فإذا هو! الشيخ محمد نهشل بنفسه، بسلاحه وهيبته، يتوسدُ الأرض ويتحفزُ للردى حمايةً لنا.

 قال لي بصوتٍ حازمٍ يملؤه الهدوء: (اجلس.. اصصصه! "اسكت")، ثم هددني بلهجة 

                                                           35. 

القائد الذي لا يريد لعمله الخالص أن يشوبه رياء: 

(إياك أن يعلم أحدٌ بوجودي هنا!).

غادرتُ المكان وأنا أرتجف، ليس خوفاً منه، بل إجلالاً لهذا الرجل الذي ترك فراشه الوثير وجاهه العريض، ليقوم بدور "حارس السكن" متخفياً، دون أن يَمُنَّ علينا أو يخبرنا. 

وعرفتُ لاحقاً أنه لم يكن وحيداً، بل كان في "متكأ حراسة" مع رفيقي دربه الشهيد خالد نهشل والشهيد حسن هجيني.

لقد ظل الشيخ محمد، كلما رآني بعدها، يضحك بملء فيه، ضحكة المنتصر الذي حمى أبناءه، والصادق الذي أتمَّ مهمته في صمت."

الشاهد 

أن هذا الموقف يبرز معادن الرجال، ويمكن استخلاص السمات التالية للشيخ محمد نهشل رحمه 

-المسؤولية الأبوية الصادقة: لم يكن الشيخ يرى في الطلاب مجرد أرقام في معهد، بل كان يراهم "أبناءً" و"أمانة" في عنقه؛ فقام بحراستهم بنفسه ولم يكتفِ بإرسال حراسة بل ذهب للحراسة بنفسه، ليضمن أعلى درجات اليقظة.

-الإخلاص وابتغاء وجه الله (العمل بصمت): إصراره على "كتمان الأمر" وتوعده للطالب حسن شوعي ألا يخبر أحداً، يدل على رجلٍ يكره المنّ والرياء، ويؤمن أنَّ حماية الناس واجبٌ يؤدى بصدق لا كلام عابر يُعرض في المجالس.

-الشجاعة الميدانية: لم يكن "شيخاً خلف المكاتب"، بل كان رجلاً ميدانياً، يتخفى خلف الصخور في الليالي المقمرة، مواجهاً خطر الاشتباك المباشر دفاعاً عن المستضعفين.

-التواضع الرفيع: أن يجلس شيخٌ بمكانته وقدره في العراء بين الصخور مع رفاقه ليحرس طلاباً، هو منتهى التواضع الذي لا يملكه إلا العظماء.

-الروح المرحة (ضحكة الوفاء): ضحكه مع الأستاذ حسن كلما رآه لاحقاً، يدل على قلبٍ صافٍ، وعلى أنه كان يرى في مخاطرته تلك "واجباً محبباً" لقلبه، وليس عبئاً ثقيلاً.

                                                           36.

تعليقات